أبو الليث السمرقندي
325
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بهم بعد التوبة . قوله عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية . نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات ، فخرجوا إليه ليبجلوه ، ويعظموه ، فخشي منهم ، لأنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية . فرجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقال : خرجوا إليّ بأسلحتهم ، ومنعوا مني الصدقات وطرحوني وأرادوا قتلي فهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يبعث لقتالهم ، فجاؤوا إلى المدينة ، وقالوا : يا رسول اللّه لما بلغنا قدوم رسولك ، خرجنا نبجله ، ونعظمه ، فانصرف عنا ، فاغتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بما فعل الوليد بن عقبة ، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني : بحديث كذب وبخبر كذب فَتَبَيَّنُوا يعني : وتعرفوا ولا تعجلوا أَنْ تُصِيبُوا يعني : كيلا تصيبوا قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم لا تعلمون بأمرهم فَتُصْبِحُوا يعني : فتصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ . قرأ حمزة ، والكسائي : فتثبّتوا بالثاء . وقرأ الباقون : فَتَبَيَّنُوا مثل ما في سورة النساء . ثم قال للمؤمنين رضي اللّه عنهم : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني : ما أمرتم به ، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق ، لَعَنِتُّمْ يعني : لأثمتم . وروى أبو نضرة ، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ . هذه الآية : لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني : هذا نبيكم ، وخياركم لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ فكيف بكم اليوم . ويقال : لَعَنِتُّمْ أي : لهلكتم . وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله . ثم ذكر لهم النعم فقال : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعني : جعل حب الإيمان في قلوبكم وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ يعني : حسنه للثواب الذي وعدكم . ويقال : دلكم عليه بالحجج القاطعة . ويقال : زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ يعني : بغض إليكم المعاصي ، والكفر لما بينه من العقوبة . ثم قال : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني : المهتدون . فذكر أول الآية على وجه المخاطبة ، وآخر الآية بالمغايبة . ثم قال : أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا ، فقد دخل في هذا المدح . وفي الآية دليل أن من كان مؤمنا ، فإنه لا يحب الفسوق والمعصية ، لأن اللّه تعالى قال : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية ، فإن شهوته وغفلته تحمله على ذلك ، لا لحبه للمعصية . ثم قال : أي ذلك التحبيب والتبغيض فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني : كان الإيمان الذي حببه إليكم ، والكفر الذي بغضه إليكم ، كان فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يعني : رحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ في أمره وقضائه .